Skip to main content

 

تبعات أزمة كورونا والتخطيط للمستقبل

Strategy Optimization Consultancy

فريد كرايمه

استشاري أقتصاد وادارة استراتيجيات

21 يونيو 2020

يقف العالم مشدوها أمام أكبر خطر تاريخي تعرضت له البشرية منذ نحو 100 عام، فاليوم لا يتوقف فيروس كورونا عن حصد الآف الارواح وانهاك المنظومات الصحية الى مستوى الانهيار، بل تعدت اثاره لتضرب في عمق الاقتصاد العالمي بصورة غير مسبوقة، محدثة أزمة اقتصادية ربما تفوق آثارها أزمة الكساد العالمي الكبير 1929.

تتسم هذه الازمة عن غيرها من الازمات الاقتصادية في أنها أثرت على جانبي العرض والطلب وفي آن معا، فقد اغلقت المصانع، وتوقف الانتاج، كما تعطلت سلاسل الامداد، وبسبب الحضر الكلي أو الجزئي والحذر والخوف من القادم الأسوأ، فقد تراجع الاستهلاك – المحرك والمحفز الرئيسي لزيادة الانتاج - وانخفض الطلب على المستوردات والصادرات نتيجة الاغلاق، وتعطلت وسائل النقل والسفر والمطارات والحدود.

ولغرض رسم صورة أكثر وضوحا للمستقبل واعطاء سيناريو مبكر حول كيفية التعامل مع الآثارالمحتملة لفيروس كورونا على المجتمع البحريني، نود اعطاء نبذة عن أداء بعض المؤشرات الاقتصادية والمالية لفترة ما قبل كورونا، ومن ثم اقتراح بعض القضايا الكلية التي يمكن أن تشكل منطلقا لصاحب القرار نحو الاصلاح والتغيير في الأمد البعيد.

وفقا للتقرير الاقتصادي الصادر عن وزارة المالية والاقتصاد الوطني، بلغت نسبة نمو الاقتصاد البحريني 1.8% خلال عام 2019، وهي اقل من نسبة النمو المحققة في الاقتصاد الاماراتي (2.9%)، وأفضل من مثيلتها المحققة في الاقتصاد السعودي (0.3%). ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد البحريني بنحو -3.6% خلال العام 2020، متاثرا بتراجع معظم القطاعات الانتاجية والخدمية كقطاع السياحة والفنادق والمطاعم والانشطة العقارية والتجارية والنقل والشحن، وهو ما سيترجم نفسه في تراجع وتيرة الاستثمار المحلي والاجنبي، وزيادة البطالة، وتدني الاجور، وانخفاض الايرادات الحكومية، وارتفاع المديونية.

أما على صعيد المالية العامة للدولة، فقد أحرزت الحكومة تقدما على مدار السنوات الماضية، اذ انخفض العجز المالي الكلي كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي من 6.3% الى 4.7% في العامين 2018 و 2019. بيد أنه في ظل الضغوطات الكبيرة التي فرضتها كورونا، وفي ظل انخفاض الطلب العالمي على النفط – المصدر الرئيسي للايرادات الحكومية - وتدني أسعاره، وتباطؤ وتيرة النشاط، الى جانب حزمة الاجراءات التي اتخذتها الحكومة والتي تقدر بنحو 4 مليار دينار بحريني للقطاعات الأكثر حاجة مثل: القطاع الصحي، والقطاع الخاص، وسوق العمل وغيرها، فانه من المتوقع أن يرتفع العجز المالي خلال هذا لعام بما يعادل 15% من الناتج المحلي الاجمالي وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي. وهو عجز كبير يلتهم ثمرات الجهود المبذولة خلال السنوات الماضية لأجل تحقيق هدف التوازن المالي بين الايرادات والمصروفات في عام 2022.

وفق هذا الواقع وتلك المعطيات، يجد صاحب القرار نفسه أمام خيارات صعبة، فالازمة تكاد تؤثر في جميع القطاعات، وان محاولة اعادة ترتيب الاولويات، وان كانت اساسية ومهمة لاحتواء التداعيات السريعة في هذا الظرف الطارئ، الا أنها لا تكفي لعودة مستدامة للاقتصاد، ما لم يصاحبها اعادة زيارة للخطط والاستراتيجيات الوطنية، وإجراء تحليل استراتيجي شامل للوضع القائم مع التركيز على القضايا (التحديات) الاستراتيجية الملحة والمخاطر والتهديدات التي كشفتها الجائحة.

نتناول فيما يلي مختصرا لبعض القضايا الاستراتيجية الظاهرة للعيان، وهي بالتأكيد تشكل نقاط انطلاق نحو حوار أشمل وأعمق بين صناع السياسات:

أولا: الأمن الغذائي

أظهرت أزمة كورونا للعالم مدى أهمية الاعتماد على الذات في توفير الغذاء، واعطاء قضية الأمن الغذائي بعدا استراتيجيا رئيسيا، حيث يندرج تحت هذا البعد العديد من البنود منها: تكلفة الغذاء، توافر الغذاء، سلامة الغذاء، سلاسل الامداد الضرورية لانتاج الغذاء، الزراعة وصيد الاسماك والثروة الحيوانية، والتصنيع الغذائي.

تشير الاحصاءات الصادرة عن منظمة الفاو أن صافي استيراد المملكة من بعض السلع الغذائية (الحبوب ومستحضراتها، الفواكه والخضار، اللحوم ، منتجات الالبان، الاسماك) بلغ 1 مليار دولار في عام 2016، حيث يكشف هذا الواقع عن عمق الفجوة التي يعاني منها قطاع الزراعة وصيد الاسماك والصناعات الغذائية في المملكة. وهو اذ يشكل تحديا استراتيجيا، فانه ينطوي على فرص استثمارية عظيمة في حال تم استغلالها بشكل أمثل.

ثانيا: الامن الدوائي

كشفت أزمة كورونا عن ضرورة الاعتماد على الذات في مجال التصنيع الدوائي، فالأمن الصحي الشامل يظل مهددا ما لم يُسند بسلاسل امداد محلية من الصناعات الدوائية.

أظهرت الاحصاءات الصادرة عن شئون الجمارك أن البحرين استوردت نحو 66 مليون دينار من الادوية في عام 2018، شكلت المحاليل الطبية نحو 60% من تلك المستوردات، وهي مواد يمكن انتاجها محليا وبسهولة، هذا الى جانب استيراد ما قيمته 5.7 مليون دينار من المضادات الحيوية، و 3.4 مليون دينار من الابر الطبية لخياطة الجروح، وغيرها من أدوية الانسولين، والضمادات اللاصقة، والحفاظات الطبية، والسلع الاخرى التي يمكن انتاجها محليا.

يندرج تحت هذا المحور العديد من البنود ذات العلاقة مثل: الأمن الصحي، الصحة الالكترونية، البحوث والتطوير، الاستثمار في الصناعات الدوائية، وغيرها.

ثالثا: التعليم الالكتروني والعمل عن بعد

أثرت كورونا على التعليم، فقد اغلقت الجامعات والمدارس ومعاهد التدريب والتعليم ابوابها، ووجدت الكثير من المؤسسات الحكومية والخاصة نفسها أمام واقع يفرض عليها نمطا جديدا من ادارة العمل والتعليم عن بعد، وهو نمط يستلزم – الى جانب الاستعداد النفسي والمهارة التقنية والمثابرة وادارة الوقت والاتصال الفعال – تكنولوجيات متطورة، وانترنت سريعة، وبيئة مناسبة للعمل عن بعد في المنزل.

فإلى أي مدى استفادت تلك المؤسسات من هذه التجربة؟ وكيف انعكس ذلك على عملياتها وأدائها؟ وما هي الفرص والتحديات المستقبلية التي ستتولد عن هذا الوضع؟ إن تقييم هذه التجربة والإستفادة منها يحتاج إلى دراسات بحثية جادة و موثقة بمقاييس داعمة. 

رابعا: الاقتصاد والأعمال

بالرغم من العودة التدريجية للقطاعات التجارية والاقتصادية وممارسة انشطتها وفق محددات وشروط احترازية للتقليل من العدوى وانتشار المرض، الا أن واقع الحال يشير الى المعاناة الكبيرة لتلك القطاعات نتيجة الخسائر التي تتكبدها بسبب تراجع الطلب الاستهلاكي على منتجاتها وخدماتها، ولعل جولة سريعة الى بعض مراكز التسوق الكبيرة في المملكة (المولات) ، ومكاتب السياحة والسفر، والفنادق والشقق الفندقية المتناثرة في بعض المناطق، تكشف عن تراجع هائل للمتسوقين نظرا للمخاوف بشأن المستقبل ... هذه الظاهرة - ان استمرت – سوف تفاقم من تبعات الازمة، وتؤدي الى الافلاس، وتسريح العاملين، واطالة عودة التعافي الاقتصادي.

أمام هذا التحدي المتمثل في انخفاض الطلب الخاص على الاستهلاك، يبدو من الضرورة قيام الحكومة بتصميم بعض السياسات التي من شأنها اعادة الثقة والتفاؤل بالمستقبل بهدف تشجيع الاسر على الاستهلاك، باعتباره المحرك الرئيسي لادارة عجلة الانتاج، هذا الى جانب زيادة وتوجيه الانفاق الحكومي نحو القطاعات التي تحرك سكون سلاسل الامداد في شرايين الاقتصاد.

ويندرج تحت هذا المحور العديد من البنود: العجز المالي، المديونية، كفاءة الانفاق الحكومي، الشراكة مع القطاع الخاص، البطالة، الاستثمار، الاستدامة المالية، وغيرها.

وماذا بعد؟

ان رسم خارطة طريق جديدة تحافظ على المكتسبات وتستشرف المستقبل، أصبح ضرورة قصوى، لا تحتمل التاجيل، ما يستدعي حوارا شاملا يجمع ذوي اصحاب العلاقة، حوار يتناول القضايا الاستراتيجية المذكورة سابقا، الى جانب قضايا أخرى لا تقل أهمية، كقضايا البيئة، والطاقة، والمياه، وغيرها.

 

Leave a comment