Skip to main content

 

قراءة سريعة في التنافسية العالمية للبحرين

Strategy Optimization Consultancy

فريد كرايمه

إستشاري اقتصاد وادارة استراتيجيات

فبراير 2018

 

أظهر تقرير التنافسية العالمية الاخير لعام 2017/2018 والصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس تطورا ملفتا للانتباه فيما يتعلق بتحسن ترتيب البحرين في سلم التنافسية العالمية، اذ حلت المملكة في المرتبة 44 من اصل 137 دولة شملها التقرير (4.54 نقطة من اصل 7)، متقدمة بادائها التنافسي باربع مراتب في عام 2017 عما كانت عليه في العام السابق (4.47 نقطة من اصل 7 نقاط).

التقرير يعرف التنافسية بانها مجموعة العوامل والمؤسسات والسياسات التي تتحكم بمستوى الانتاجية، والذي بدوره يحدد مدى الازدهار الذي يحققه الاقتصاد في الاجل الطويل.

اعتمد التقرير في قياسه للتنافسية على 12 محورا غطت معظم الجوانب الجوهرية المرتبطة بالازدهار الاقتصادي، وهي: المؤسسات، البنية التحتية، بيئة الاقتصاد الكلي، الصحة والتعليم الاساسي، التعليم العالي والتدريب، كفاءة سوق السلع، مرونة سوق العمل، تطور سوق المال، الجاهزية التكنولوجية، حجم السوق، تطور الاعمال، والابتكار. علما أنه يندرج تحت كل محور عدد من المؤشرات الفرعية تصل في مجموعها الى 144 مؤشرا فرعيا.

وبالتدقيق في المحاور الاثني عشر السابقة، يلاحظ تحسنا ملحوظا في ترتيب المملكة في محور "الجاهزية التكنولوجية "، فقد تبوأت المرتبة 31 في عام 2017 متقدمة بـ 6 مراتب عما كانت عليه في عام 2016، وهو تطور كبير. علما ان هذا المحور يشتمل على 7 مؤشرات فرعية، وهي: توافر احدث التقنيات، استيعاب التكنولوجيا على مستوى الشركات، الاستثمار الاجنبي المباشر ونقل التكنولوجيا، نسبة مستخدمي الانترنت من السكان، اشتراكات الانترنت ذات النطاق العريض الثابت، النطاق الترددي kb/s/user، اشتراكات الانترنت ذات النطاق العريض المتنقل. ويشار هنا الى أن المملكة تبوأت المرتبة الثانية عالميا في المؤشر الفرعي "نسبة مستخدمي الانترنت من السكان "، والمرتبة الاولى عالميا في مؤشر "نسبة اشتراكات الانترنت ذات النطاق العريض المتنقل".

وفي محور "التعليم العالي والتدريب" الذي شمل 8 مؤشرات فرعية، تقدمت المملكة 5 مراتب من المرتبة 44 عام 2016 الى المرتبة 39 في عام 2017. كما حلت في المرتبة 24 وفق مؤشر جودة النظام التعليمي، والمرتبة 31 في جودة تعليم الرياضيات والعلوم، والمرتبة 34 في جودة ادارة المدارس، والمرتبة 28 في مجال تدريب الموظفين على راس العمل، والمرتبة 36 في مجال توافر الخدمات التدريبية المتخصصة محليا.

وفي محور كفاءة "المؤسسات" الذي يمثل الاطر القانونية والادارية التي يتعامل من خلالها الافراد والشركات مع الحكومات ،فقد شمل  21 مؤشرا فرعيا هي: حقوق الملكية ، حماية الملكية الفكرية، استقلال القضاء، تحويل الاموال العامة ،ثقة الجمهور بالسياسيين، المحسوبية في قرارات المسئولين الحكوميين ، الاموال غير القانونية والرشاوى، كفاءة الانفاق الحكومي، عبء التنظيم الحكومي، شفافية السياسات الحكومية، التكاليف التجارية للارهاب، التكاليف التجارية لاعمال الجريمة والعنف،  الجريمة المنظمة، موثوقية خدمات الشرطة، السلوك الاخلاقي للشركات، قوة حماية المستثمرين، فعالية مجالس ادارة الشركات، كفاءة الاطار القانوني في حل المنازعات، كفاءة الاطار القانوني في الانظمة الصعبة Efficiency of legal framework in challenging regulations، قوة معايير التدقيق واعداد التقارير، وحماية مصالح المساهمين الاقلية.

يظهر التقرير تحسنا في ترتيب المملكة في هذا المحور وبفارق رتبتين خلال العامين الماضيين، فقد حلت في المرتبة 23 عالميا في عام 2017 مقارنة بالمرتبة 25 في عام 2016.

وفي محور "بيئة الاقتصاد الكلي" الذي شمل المؤشرات الخمسة : توازن الميزانية الحكومية ، الادخارات الوطنية ، التضخم ، الدين العام ، والتصنيف الائتماني ، فقد أشارت بيانات التقرير الى انه على الرغم من تقدم المملكة بخمس مراتب خلال العام 2017 ( حلت في المرتبة 113 في عام 2016 والمرتبة 108 في عام 2017) ، الا أن مؤشرات كل من العجز المالي ، والدين العام ، والتصنيف الائتماني لا تزال تشكل تحديا كبيرا امام صناع السياسات، فاعتماد الميزانية الحكومية على النفط  كمصدر رئيسي للايرادات والتراجع الحاد في الاسعار العالمية له ، كان له انعكاسات سلبية على المالية العامة ، تمثل في ارتفاع العجز كنسبة من الناتج المحلي الاجمالي خلال السنوات الثلاث الماضية ، و زيادة الدين العام.

يشار في هذا المجال الى ان المملكة باشرت في العديد من المبادرات التي تصب في تنويع مصادر الدخل، والتي من شأنها ان تحدث تطورا ايجابيا على رصيد المالية العامة خلال الاعوام القادمة، وبما يمنحها القدرة على تحمل صدمات التغير في اسعار النفط في الاسواق العالمية، وتحسين قدراتها التنافسية.

ولعل من ابرز الجوانب المضيئة في محور "بيئة الاقتصاد الكلي" هو المحافظة على الاستقرار العام للاسعار، اذ جاءت المملكة في المركز الاول عالميا وفق المؤشر الخاص بالتضخم، والذي بلغ 2.8% كما ذكر في التقرير، وهي واحدة من مرتكزات السياسة النقدية التي واصل مصرف البحرين المركزي تبنيها خلال السنوات الطويلة الماضية.

اما على صعيد "البنية التحتية" وهو محور آخر تطرق اليه التقرير، جاءت المملكة في المرتبة 33 بمجموع بلغ 5.1 نقطة( من اصل 7 نقاط)، اظهرت المؤشرات الفرعية أن المملكة حلت في المرتبة 25 في مجال "جودة الطرق"، والمرتبة 30 في مجال "جودة البنية التحتية للموانئ"، المرتبة 49 في مجال "جودة البنية التحتية للنقل الجوي"، المرتبة 71 فيما يخص مؤشر "مقاعد الطيران المتاحة" ، المرتبة 31 وفق مؤشر "جودة التزود بالكهرباء"، اما في مجال "اشتراكات الهاتف المتنقل" فقد حلت المملكة في المرتبة الثانية عالميا ، حيث بلغ عدد مشتركي الهاتف المتنقل ( لكل 100 من السكان ) 216.8 اشتراك، كما جاءت في المركز 47 عالميا وفق مؤشر خطوط الهاتف الثابت. 

وفيما يتعلق بمحور "كفاءة سوق العمل" الذي شمل 10 مؤشرات فرعية، فقد حافظت المملكة على مجموع نقاطها (4.6 نقطة) التي حصلت عليها في العام السابق 2016، وذلك على الرغم من تراجع تنافسيتها العالمية بمرتبتين، حيث حلت في المركز 37 في عام 2017 مقارنة بـالمركز 35 في العام السابق.، ولعل ابرز ما يثير الانتباه ، هو ما ورد في تقييم المملكة وفق مؤشر مشاركة المرأة البحرينية (نسبة الى الرجال) في قوة العمل ، اذ حلت بالمرتبة 120 عالميا ، وهو مركز متدني يشي بنوع من الشك والغموض ما يستدعي من الجهات ذات العلاقة في المملكة مزيدا من التقصي والبحث . اما المؤشرات التسعة المتبقية المنضوية تحت هذا المحور، فقد تبوأت المملكة مراتب متفاوتة بين دول العالم، اذ كان مؤشر "اثر الضرائب على الحوافز للعمل "(المرتبة 7) افضلها، تلاه مؤشر كلفة العمالة الزائدة (المرتبة 16)، فمؤشرالمرونة في تحديد الاجور (المرتبة 21)، و استقطاب المواهب (المرتبة 22)، العلاقات بين صاحب العمل والعمال ( المرتبة 23)، الربط بين الاجور والانتاجية (المرتبة 24) ، ممارسات التوظيف والفصل (المرتبة 29)، القدرة على الاحتفاظ بالمواهب (المرتبة 31)، ثم مؤشر الادارة المهنية (المرتبة 35).

"الصحة والتعليم الاساسي" محور آخر من محاور التنافسية الذي حافظت فيه المملكة على درجة تنافسيتها خلال العامين الماضيين وبمجموع نقاط 6.2 (من أصل 7 نقاط)، وذلك على الرغم من تراجع مركزها العالمي بثلاث مراتب (من 34 في عام 2016 الى 37 في عام 2017). علما أن هذا المحور شمل 8 مؤشرات فرعية ترتبط بتنافسية قطاع الصحة، نذكرمنها مؤشر العمر المتوقع عند الولادة وحلت فيه المملكة بالمرتبة 48 (العمر المتوقع 76.8 سنة)، ومؤشرين فرعيين لقياس تنافسية قطاع التعليم الاساسي وهما: جودة التعليم الاساسي (المرتبة 34 عالميا)، ومعدل الملتحقين بالتعليم الاساسي (المرتبة 57).

"الابتكار" وتعزيز القدرات الابتكارية محورهام جدا في رفع الاداء التنافسي للبلدان ، والارتقاء بها  نحو العالمية ، ويكشف التقرير ان المملكة حافظت أيضا على ترتيبها الـ 45 خلال العامين الماضيين وبمجموع 3.6 نقطة من أصل 7 نقاط ، وفي التفاصيل ، تظهر المؤشر الفرعي " مشتريات الحكومة من المنتجات التكنولوجية المتقدمة " تقدما في مرتبة البحرين (المرتبة 22)  مقارنة ببعض المؤشرات الاخرى مثل: القدرة على الابتكار ( المرتبة 67) ، جودة مؤسسات البحث العلمي (المرتبة 73)، التعاون بين الجامعات والصناعة في مجال البحث العلمي والتطوير (المرتبة 45) ، وبراءات الاختراع (المرتبة 54).

ويرصد التقرير أيضا مدى تطور "بيئة الاعمال" وسير تلك الاعمال لدى الشركات العاملة في المملكة، وذلك من خلال عدة مؤشرات نذكر منها: موقع الشركات في سلسلة القيمة، مدى تطور عمليات التسويق، الميزة التنافسية، كمية الموارد المحلية، جودة الموارد المحلية، وتطور العملية الانتاجية. ويلاحظ في هذا الخصوص بأن "بيئة الاعمال" في البحرين تحسنت لكن ببطؤ خلال العامين الماضيين، اذ ارتفع مجموع النقاط المتحصلة من 4.4 نقطة في 2016 الى 4.5 نقطة في 2017. وعلى الرغم من هذا التحسن البطيء، مقارنة مع بقية دول العالم، فقد فقدت المملكة 3 مراتب، متراجعة من المركز 33 في عام 2016 الى المركز 36 في عام 2017، ذلك أن بقية الدول تتحسن مؤشرات بيئة الاعمال لديها بوتيرة أسرع، ما ساهم في تراجع المركز التنافسي للمملكة.

وفي محور "تطور سوق المال" ، ظلت تقييم المملكة ثابتا خلال العامين الماضيين بحصولها على مجموع 4.3 نقطة في كل عام ، وجاء ترتيبها 46 في عام 2017 متراجعة 3 مراتب عما كانت عليه خلال 2016 ، وقد تصدر المؤشر الفرعي "تنظيم سوق البورصة-(السندات)" المنضوي تحت هذا المحور التقييم الاعلى مقارنة ببقية المؤشرات الفرعية الاخرى ، حيث حصلت البحرين على تقييم 5.5 نقطة (المركز 23 عالميا) ، تبعه مؤشر "سلامة المركز المالي للبنوك" وبتقييم 5.4 نقطة ( المركز 46 علميا) ، فمؤشر "تكاليف الخدمات المالية " وبتقييم 4.8 نقطة (المركز 25 عالميا) ، ومؤشر "توافر الخدمات المالية" بتقييم 5.1 نقطة (المركز 24 عالميا)، ومؤشر "سهولة الحصول على القروض" بتقييم 4.7 نقطة ( المركز 22 عالميا) ، ومؤشر " التمويل من خلال سوق الاسهم المحلية" بتقييم 4 نقطة (المركز 51 عالميا) ، ثم مؤشر توافر رأس المال المخاطر" وبتقييم 3.8 نقطة ( المركز 23 عالميا) ، وأخيرا جاء مؤشر "الحقوق القانونية" بتقييم 1 نقطة ، وبمركز متراجع عالميا (المركز 127) ، وهو ما يستدعي تحليلا أعمق للاسباب التي أدت الى ذلك.

أما في المحور التنافسي "كفاءة سوق السلع" الذي يغطي 16 جانبا ترتبط بمجموعة السياسات التجارية والاجراءات والهيكل العام للسوق واثرها على كفاءة سوق السلع والخدمات، فلم يتغير تقييم المملكة خلال العامين الماضيين (حصلت على مجموع 5 نقاط لكل عام)، لكنها تراجعت في سلم الترتيب العالمي بمرتبة واحدة (من 22 الى عام 2016 الى 23 في عام 2017). وتكشف التفاصيل، أن المملكة تبوأت مراتب متقدمة وفق مؤشر تأثير الضرائب على الاستثمار، حيث حصدت المركز الثاني عالميا، والمركز الرابع وفق مؤشر نسبة الضرائب من الارباح، كما احتلت مراكز جيدة وفق مؤشري انتشار الملكية الاجنبية، وتأثير القواعد التجارية على الاستثمار الاجنبي المباشر، حيث جاء ترتيبها في المركز 18 لكل منهما. اما على صعيد مؤشر "عدد الاجراءات للبدء بالاعمال التجارية" فقد جاء مركزها متواضعا، حيث حلت في المرتبة 70 عالميا، وكذا الامر فيما يتعلق بمؤشر عدد الايام للبدء بعمل تجاري، حيث جاء ترتيبها 57 عالميا، ومؤشر درجة المنافسة المحلية وحلت في الترتيب 62 عالميا.

وفيما يخص محور "حجم السوق" باعتباره أحد المحددات الرئيسية للقدرات التنافسية للبلدان، فقد حصلت المملكة على تقييم 3.2 نقطة في عام 2017 مقارنة بـ 3.1 نقطة في العام 2016،وجاء ترتيبها 90 عالميا في العام 2017، وهي مرتبة متدنية نسبيا، رغم تقدمها مرتبتين عما كانت عليه في العام السابق. ويعكس هذا التراجع في مرتبة البحرين التحديات التي يواجهها الاقتصاد البحريني والمرتبطة بشكل أساسي بصغر حجم السوق المحلي، وهو ما يحد من توسع الاعمال والشركات للاستفادة من ميزة وفورات الحجم الكبير، الى جانب محدودية قدرات الشركات المحلية على سبر غور الاسواق العالمية للتعويض عن صغر حجم السوق المحلية، ما يستدعي البحث عن افكار ابداعية للتغلب على مثل هذه التحديات.

هذه قراءة سريعة في محاور التنافسية العالمية للبحرين، وكما يظهر للعيان، فان مسألة التنافسية – وهي أد الاعمدة التي أكدت عليها رؤية البحرين 2030 -لا يمكن أن تاتي بين ليلة وضحاها، ولا ترتبط بانجاز جهة دون أخرى، فهي عملية تحسين وتنسيق متكامل وتطوير لا ينتهي، تتكامل فيها السياسات والجهود نحو تحقيق رؤية واحدة موحدة، فكل تغير، سلبا كان او ايجابا، وعلى أي محور من محاور التنافسية يؤثر سلبا او ايجابا على أداء المحاور الاخرى. وأنها لمناسبة – ونحن في مطلع عام جديد-ان ينظر الى تحسين تنافسية المملكة في تلك المحاور من منظور تخطيط تكاملي للاستراتيجيات فيما بين القطاعات الحكومية نفسها وفيما بينها وبين القطاع الخاص، وبما يصب في الارتقاء بجودة الخدمات وزيادة مستوى رفاه وازدهار المجتمع.

 

Leave a comment